سيد محمد طنطاوي

317

التفسير الوسيط للقرآن الكريم

بسم اللَّه الرّحمن الرّحيم مقدمة وتمهيد 1 - سورة « الممتحنة » هي السورة الستون في ترتيب المصحف ، أما ترتيبها في النزول فكان بعد سورة الأحزاب ، وقبل سورة النساء ، وهي من السور المدنية الخالصة ، وعدد آياتها ثلاث عشرة آية . واشتهرت بهذا الاسم منذ العهد النبوي ، إلا أن منهم من يقرؤها بفتح الحاء ، على أنها صفة للمرأة التي نزلت فيها ، ومنهم من يقرؤها بكسر الحاء على أنها صفة للسورة . قال القرطبي : الممتحنة - بكسر الحاء - أي : المختبرة ، أضيف الفعل إليها محازا ، كما سميت سورة براءة بالفاضحة ، لما كشفت من رذائل المنافقين ، ومن قال في هذه السورة الممتحنة - بفتح الحاء - فإنه أضافها إلى المرأة التي نزلت فيها . وهي أم كلثوم بنت عقبة بن أبي معيط . قال اللَّه - تعالى - : فَامْتَحِنُوهُنَّ اللَّه أَعْلَمُ بِإِيمانِهِنَّ وهي امرأة عبد الرحمن بن عوف ، ولدت له إبراهيم بن عبد الرحمن « 1 » . وقال صاحب الإتقان : وتسمى « سورة الامتحان » و « سورة المودة » . 2 - وقد افتتحت هذه السورة بتوجيه نداء إلى المؤمنين ، نهتهم فيه عن اتخاذ أعداء اللَّه وأعدائهم أولياء ، وبينت لهم ما جبل عليه هؤلاء الأعداء من كراهية للحق ، كما بينت لهم سوء عاقبة من يوالى هؤلاء الأعداء . قال - تعالى - يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَتَّخِذُوا عَدُوِّي وعَدُوَّكُمْ أَوْلِياءَ تُلْقُونَ إِلَيْهِمْ بِالْمَوَدَّةِ ، وقَدْ كَفَرُوا بِما جاءَكُمْ مِنَ الْحَقِّ ، يُخْرِجُونَ الرَّسُولَ وإِيَّاكُمْ أَنْ تُؤْمِنُوا بِاللَّه رَبِّكُمْ ، إِنْ كُنْتُمْ خَرَجْتُمْ جِهاداً فِي سَبِيلِي . وابْتِغاءَ مَرْضاتِي تُسِرُّونَ إِلَيْهِمْ بِالْمَوَدَّةِ ، وأَنَا أَعْلَمُ بِما أَخْفَيْتُمْ وما أَعْلَنْتُمْ ، ومَنْ يَفْعَلْه مِنْكُمْ فَقَدْ ضَلَّ سَواءَ السَّبِيلِ . 3 - ثم انتقلت السورة الكريمة إلى دعوتهم إلى الاقتداء بأبيهم إبراهيم - عليه السلام - الذي قطع صلته بأقرب الناس إليه ، عندما رآه مصرا على كفره ، وأعلن أنه عدو لكل من أشرك مع اللَّه - تعالى - في العبادة آلهة أخرى .

--> ( 1 ) راجع تفسير القرطبي ج 18 ص 49 .